حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
115
شاهنامه ( الشاهنامه )
ذكر ما جرى بين كيكاوس وملك مازندران من المكاتبات وما أفضى اليه الأمر رسالة كيكاوس إلى ملك مازندران قال : فدعا بالكاتب وأمره فكتب المسك على الحرير الأبيض كتابا صدّره بالجمد للّه والثناء عليه ، وذكر فيه طرفا من المواعظ والنصائح . وأعقب ذلك بأمره إياه بالمبادرة إلى حضرته ، وقبول الخراج والجزية ، وأنه إن تقاعد عن ذلك لم ير إلا ما حل بالجنىّ من التنكيل والقتل والأسر والنهب . وملأ الكتاب إعذار وإنذارا . ودعا رجلا من أصحابه يسمى فرهاد ، وكان من وجوه الملوك وأعيانهم ، وأمره بحمل الكتاب إلى ملك مازندران . فقيل الأرض وتناول الكتاب وركب حتى أتى على مدينة يقال لأهلها دُوال بال وكانت هذه المدينة مستقرّ سرير الملك . فلما أخبر بقدوم الرسول أمر أسود رجاله وأبطال عسكره بالركوب لاستقباله . وقال : لا تتركوا اليوم شيئا من آداب فروسيتكم ودلائل رجوليتكم إلا أظهرتموه تموه . فتلقوه كذلك بوجوه . مقطبة وشفاه مهدّلة ، وقبض واحد منهم على يد الرسول ، على الهيئة التي اعتادوها في إظهار القوّة والإدلال بالشدّة ، وعصرها فما تغير وجهه ولا اصفرّ لونه . فجاءوا به إلى خدمة الملك . فلما دخل عليه سأله عن الملك كيكاوس أوّلا ثم عما لقى من مشاق السفر ثانيا . فوضع الكتاب بين يدي الكتاب . فلما وقف الملك على الحال وما فيه امتلأ قلبه غيظا ، وانكسر ظهره بقتل ملك الجن وأمرائه . فقال قل لكيكاوس : إني أرفع منك شأنا وأعز سلطانا . وإن حوالي ألوف ألوف من العساكر الذين حيث توجهوا لم يبقوا حجرا ولا مدرا . وإن على باب ألفا ومائتين من الفيلة التي ليس على بابك منها فيل واحد . وسأهجم بها عليك وأثل عرشك . فلما سمع فرهاد كلامه ، ورأى خشونته وطغيانه اجتهد في تحصيل جواب الكتاب ، وانصرف راجعا إلى صاحبه . ولما وصل إلى حضرته أفضى اليه بجميع ما رآه وسمعه . فقال عند ذلك رستم : من الواجب أن أكوان أنا الرسول اليه وأستصحب منك اليه كتابا كالسيف القاطع ورسالة كالسحاب الراعد . اؤدّى الرسالة في ناديه ، وأفيض بها سيول الدماء في واديه . فاستصوب الملك هذا الرأي وأمر الكتاب أن يجيب ملك مازندران عن كتابه ، ويكتب أن مثل هذا الخطاب يستهجن من ذوى الألباب . ففرّغ دماغك من الفضول ، وبادر إلى حضرتنا واقفا على قدم المثول ، وأنك إن خالفت هذا المثال ملأت الأرض بالجيوش وجررتهم إلى حربك . ولعل روح ملك الجن تبشر النسور والذئاب بأشلائك . مجيء رستم إلى ملك مازندران برسالة ولما ختم الكتاب استعدّ رستم وسار حتى قرب من ملك مازندران .